Monday, July 24, 2023

30 يوما في حياتي .. قصص قصيرة 2

 أعشق القاهرة كثيراً، أحب التجول في شوارعها العتيقة، وأعيش فيها خيالات كثيرة وأنتقل من قصة إلى قصة، وعصر إلى آخر، وهكذا قررت السفر إلى القاهرة، وأن أسكن في ( الزمالك )، مكاني المفضل! .. لم أدخر أي وقت وقمت بحجز غرفة مطلة على النيل بمبلغ أغلى عن بقية الغرف لأستمتع بأجواء المساء وهواء النيل واستمتع بشكل العبارات والقوارب المضاءة بشكل مجنون مساءً.

ولكن لم أتخيل ما حدث لي في ذلك اليوم، بعد دخولي الغرفة وجدتها تطل على مباني قديمة! وأسطح بيوت! .. فلم أستطع تمالك نفسي وذهبت الى الاستقبال وانا غاضبة جدا! .. فجاء رد الموظف بكل برود  .. (حضرتك الغرف كلها اتحجزت، ولكن غرفتك فعلا تطل على النيل، بصي حضرتك انتي اخرجي راسك كده وبصي يمين حتلاقي النيل يطل ع الغرفة) .. وفعلا! .. حضرتي ذهبت بكل ذهول لاخرج رأسي خارج البلكونة، وأنظر يمينا .. ولقيت "نقطة نيل" في المنظر. 

لم أعرف عندها مشاعري، بدأت بالضحك! لم أصدق أن هذا الرد وهذا المنظر حقيقي! .. فعدت إلى الاستقبال وفعليا كان ألف شيطان يدق على رأسي، وعندها تم تحويل غرفة "حضرتي" إلى غرفة مطلة على النيل .. شعور شرب القهوة التركية في البلكونة بعد هذا الموقف كان مرضي جدا على أصوات "كلكسات السيارات".

الكثير من هذه المواقف قد تمر عليك في القاهرة ولكن ليست سببا لأن "تنكد" علي رحلتي! .. فتوجهت أولا إلى أحد المطاعم القديمة جدا والمشهورة لتناول "الملوخية والممبار والمسقعة" .. في الزمالك هناك العديد من المطاعم القديمة وقد تكون من عصر الملكية او اقدم! .. استمتع بزيارتها وقراءة تاريخها .. وفعليا معظمها تتميز بالطعم المميز ..

وبعد وجبة لذيذة جدا .. ذهبت إلى مكتبة " ديوان " وهي مكتبة بابها صغير في زاوية توحي لك ان المكتبة شبر في شبر، ولكنها فعليا مكتبة كبيرة جدا ويمكنك شرب كوب قهوة بداخلها! .. الكثيرمن الكتب هنا في القاهرة لا أجدها في الدولة .. استمتع بتقليب الكتب والعناوين .. من بين الملكية والصوفية والكثير من الروايات والسير الذاتية .. لم أدخل هذه المكتبة الا وقد ابتعت عدة كتب! . حتى وان وعدت نفسي انني لن اشتري اي كتاب! 

اكملت طريقي بعد هذه المكتبة لابحث عن مقهى ومطعم "جالري حيفا"... اتبعت الخريطة حتى وجدت نفسي في حارة داخلية بين بينايات قديمة ومحل تبديل اطارات السيارات .. سقطت علامة تعجب كبيرة على رأسي .. وشعرت بالخوف قليلا .. اتصلت على المقهى واخبرتهم انني هنا حسب الخريطة! .. (إنتي فين؟) (انا في المكان المذكور في الخريطة!) .. (طب خشي العمارة!) .. لم أدخل .. بل اكتفيت بالاطلاع على الى العمارة بارتياب .. (يعني وين الكوفي فوق؟) .. (لأه! .. ادخلي وخشي الباب يمين) .. دخلت فعلا .. العمارة نظيفة جدا ويبدوا انها قديمة وعريقة .. ولم أتخيل فعلا ما شاهدته بعد ان فتحت الباب ... 

كان معرضا فنياً!! .. صور فيروز وفنانين اخرين، الكثير من الاعمال الفنية والصور معلقة على الجدار .. صوت موسقى هادئ مميز .. تبعته حتى وجدت شابا يعزف على قيتار مع اصدقائه .. لم استطع تمالك نفسي من التجول في كل زاوية .. ان المس الة الطباعة العتيقة .. أن اصور كل زاوية ... لم أتخيل ان هذه العمارة تحتوي على هذا المكان! .. طلبت "كركديه" وانا استمع الى انغام الموسيقى الهادئة .. واستمتع بجمال المكان .. 

هذه بالضبط الزمالك!.. في كل عمارة وفي كل حارة وممر تجد عالم مختلفاَ .. احد الممرات قد يؤدي الى حديقة خلفية بين العمارات ... أو معرض فني .. أو متاجر داخلية لا تتوقع ان تكون خلف هذه الابواب العتيقة .. الكثير من الشباب الطموحين .. في أحد اقدم واعرق احياء مصر ..

في اول ساعات الصباح قبل الزحمة، استمتع بالمشي في الزمالك! .. اسمع "كلكسات التكاسي" .. تفزعني وتخرجني من جو الاسترخاء .. هكذا يسالك سائق سيارة الأجرة ان كنت ترغب "بتوصيلة" .. ولكن التجول في الزمالك وخصوصا في شارع سيريلنكا مميز جدا .. شارع داخلي فيه العديد من "السرايات" .. التي تحولت الى سفارات .. او فلل مهجورة! .. ولكنها مبهرة جدا .. لا انسى شكل موظف الأمن أمام احدى السفارات يؤشر لي من بعيد .. (ممنووووووووووووووووووع التصوير) ... اشرت له (لاااااااا اعرف!) ... فابتسم وضحك! .. لانني فعليا صورت كل زاوية ادهشتني .. احب شارع سيريلنكا! .. احب الاشجار الظليلة في شوارع الزمالك ... احب اصوات الاطفال في الصباح الباكر عند دخولهم الحضانات .. احب ارتشاف كوب قهوة في منتصف الرحلة ... واحب ان اذهب الى (زوبا) أو (طبالي) لاستمتع ب(صينية الفطار المصرية) ... فول وطعمية! وشاي كشري ... وفي هذا الوقت يبدأ أغلب بياعين الشوارع بالظهور! ... بياع (الروبابيكيا) ينادي (بيكيا بيكيااااااا بيكيا)! .. وهو يبيع ويشتري الاثاث والادوات المستعملة !! .. وعربة الفول تبدأ بالازدحام .. وبياعي الكتب انتهو من فرش الكتب وصفها في الشوارع ... وبياع (التين) يجر عربته ليجد مكان يقف فيه ليبيع التين الشوكي! ..

بعد الجولة الصباحية .. اتجهت الى قصر(عائشة فهمي) وهو قصر كلاسيكي تم تصميمه بواسطة مهندس ايطالي! .. تحتوي الغرف على العديد من الاعمال الفنية .. كما ان الجانب المطل على النيل فعلا ساحر .. تخيلت هذا القصر وهو مليئ بالحياة! .. فخامة ورفاهية .. كما توجد غرفة اثرية بتصميم يغلبه اعمال الخشب .. خاصة بالبلياردو! .. هذا القصر يوجد له شبيه اخر في الاسكندرية تحول الى معرض مجوهرات .. 

على ذات الشارع .. هناك مكتبة القاهرة الكبرى التي لم ادخلها بسبب سوء التخطيط .. كانت مغلقة .. فاكتفيت بالتعلق بالبوابة الحديدية ربما يعطف علي احدهم ويفتح الباب ... ولكن لم يحدث ذلك ... وعلى القرب من المكتبة كانت سفارة سلطنة عمان! .. هي اكثر سفارة شدني تصميمها .. وتعكس الطابع العماني في التصميم! .. جميلة جدا ..

هكذا كان مساء الزمالك وصباحها .. قصصها لا تنتهي ..

Monday, June 12, 2023

30 يوما في حياتي .. "قصص قصيرة 1"

 استيقظت باكرا هذا الصباح رغم تقلبي في الفراش طوال الليل، ولسبب ما، فقد شعرت بنشاط غريب يسري في جسدي وثقل مزعج في عينيّ، نعم كنت أود أن أنال قسط طويل من الراحة ولكن لا أعرف سبباً لهذا النشاط. قررت أن لا أعذب نفسي أكثر فقد مرت ساعات طويله وأنا أحاول النوم.

استيقظت وأعددت قهوتي وسقيت النباتات وكشفت عن نوافذي الشرقية لأسابق أشعة الشمس، أحب مشهد أشعة الشمس وهي تشرق على مكتبة الكتب ونباتاتي! وأحب أن ألتقط صورة لقهوتي وقد انعكست عليها أشعة الصباح. هل قلت أسابق؟ نعم .. لأن هذه الاشعة هي من تبدأ لسباق مع الوقت.

 حاولت التواصل مع أصدقائي ولكن جميع رسائلي "لم تقرأ"، مما أشعرني بالضجر والملل الشديد، ولكن برودة الجو الصباحية كانت حافزا لي لأن أخذ جولة صباحية في أنحاء الحي، أنا جديدة هنا ولا أعرف أحداً. لم أجد خلال جولتي الا عدد قليل من كبار السن الذين يجلسون في الباحة الأمامية للمنزل، منهم من يشذب الازهار ومنهم من يتناول كوب قهوة، وجميعهم عندما تلتقي نظراتي الفضولية بأعينهم فيومئون لي مبتسمين، تحية لطيفة!

يعتني الكثير من أهل هذا الحي بنظافة بيوتهم الخارجية والتصميم والحدائق، وهذا ما شجعني لاستئجار منزل صغير أشبه بشقة هنا. مازالت أشعة الشمس باردة جدا فهي لم تشرق بشكل كامل، والهواء نظيف وعليل فقد اقترب فصل الخريف وبدأت الحرارة بالانخفاض. 

أمتعني صوت الجرس الصغير عندما دخلت إلى مقهى صغير في إحدى الأزقة المرصوفة، ألقيت نظرة سريعة فلم يكن هناك أحد غيري مما جلعني أختار الطاولة الصغيرة في زاوية المقهى بجانب النافذة، والتي تطل على الممر المرصوف. ابتسمت لهذا المنظر، الأرضيات المرصوفة، شرفات المنازل ذات الازهار والشجيرات المعلقة، أشعة الشمس الباردة في الصباح الباكر ورائحة القهوة، ابتسمت حقاً لأنني أخذت هذا القرار، قرار بأن "أنقرض" مع نفسي لمدة من الزمن، أعيد فيها حساباتي، أضع أهدافي، وأستمتع بحياتي.

اسندت رأسي إلى كف يدي، وحمدت الله كثيراً على نعمه، وعلى هذه الفرصة لتجديد حياتي، وفكرت في أول هدف سأنفذه في رحلتي هذه، وهي (الاستكشاف)، أن أجرب اشياء جديدة خارج نطاق راحتي ومعرفتي، فبدأت البحث في البرامج المتاحة، للبحث عن "تجربة" جديدة، وبدأت الاطلاع على الكثير من التجارب الذي يوفرها السكان المحليون، وأعجبتني تجربة صناعة الفخار! .. وهنا سجلت في اول موعد قريب بعد ساعتين.

وصلت إلى المكان الذي كان في باحة خلفية لأحد المباني، ثم نزلت إلى مستوى أرضي عدة درجات، تم تقسيم المكان بين مكان لبيع الفخار، ومكان للتسجيل والاستعداد ومكان لممارسة صناعة الفخار. انتهيت من اجراءات التسجيل واخترت نوع الاواني التي اود صناعتها ومدة هذه التجربة.

كنت وحدي هنا، لم يكن معي احد، كان شعور غريبا ان اذهب لتجربة شيء جديد لوحدي، رغم ان المتواجدين هنا ايضا كانوا لوحدهم! .. هل يحبون صناعة الفخار؟ هل لديهم هدف "الاستكشاف" مثلي؟ أم أنهم هاربون من زحمة المدن؟ .. لم يكن هناك أي مجموعات سوى رجل يرافق زوجته ويشجعها وهي تصنع آنيتها المفضلة.

اخترت المكان المفضل، وبدأت مدربتي أولا بشرح كيفية صناعة الفخار .. والجهاز المستخدم .. .. بدأت تخبرني كيفية تشكيل الطين واضافة الماء و الضغط بالأصابع لتشكيل الأواني.. كل ذلك وانا اشاهدها بتركيز بعد ان ثبت الكاميرا امامي لتسجيل تجربتي هذه. 

كل ما كانت تشرحه لا يصف الشعور عندما وضعت اصابعي على الطين السلس لأول مرة، ابتسمت من قلبي لملمس الطين الناعم، الذي يزداد نعومة وليونة كلما اضافت إليه كمية من الماء، تركتني لمدة ربع ساعة لـ" أتعرف" على عجينتي الطينية، لأفهمها وتفهمني! لأعرف كمية الماء .. لتعتاد يداي على الطين، كلما كانت تدور العجينة كانت تتغير بلمسة واحدة! .. يجب أن أكون أكثر استرخاءً! أكثر تركيزاً ... يجب أن لا تشتتني أفكاري وهمومي، بل ان كل ذلك بدأ بالتبدد عندما ضغطت بابهامي على الفخار .. وبدأت بتشكيل الكوب الذي اخترته، كانت مدربتي تضحك على ردة فعلي المتفاجىء لكل رد فعل يحدث عندما اضغط بشدة او اقل على الطين .

تبدو هذه الحرفة سهلة جدا عندما ترى الحرفيين يشكلون الاواني الطينية! ولكن ما ان تضع يدك على هذه العجينة ستعرف انها تحتاج الى تركيز ووعي وتحتاج الى هدوء و "مزاج رايق" والا ستكون النتيجة اواني فخارية ابداعية "غريبة الشكل بمعنى أصح" .. ساعدتني مدربتي لتقويم الشكل الذي رغبت به وتشكيله! .. واخرجت حزام جلدي صغير في النهاية لتنعيم السطح الخارجي والداخلي للاناء حيث اخبرتني انه من جلد البقر! .. وقطعت الطين بخيط رفيع لتفصله. 

نظرت الى يديّ .. كمية الفوضى التي أسعدتني! الوقت الذي مر بسرعة ولم اشعر به! .. اللطخات الطينية على المئزر .. كلها كانت تجربة جميلة .. متأكدة انها لن تكون الأخيرة ..