عندما همست لي جي-سان أنها لا تحب أحمد، التفت نحوها، فالتقت أعيننا، فكانت نظرتي مليئة بالتساؤل ونظرتها مليئة بعدم المبالاه، وقلت لها (هذا أفضل)، ابتسمت جي سان وامسكت بيدي، تجرني إلى الداخل بهدوء "تعالي يا ليلى، يجب أن تجربي الشاي بالطريقة اليابانية القديمة"، كنت أمشي معها ولم تفارق عيني إيليشيا وأحمد، كانا يتحدثان بحماس وأستمع لضحكات إيليشيا بوضوح. هنا جلست أمام جي-سان، تفصل بيننا الطاولة الأرضية، بدأت بإعداد الشاي بطريقة يابانية، في البداية بأت بتسخين الأبريق الفخاري والفناجين بماء دافئ، ثم أعادت ملئ الابريق بالماء الساخن ووضعت ما سمته هي بالماتشا! "يحتاج لدقيقة على الاقل، لننتظر" كانت تتحدث وهي تضع ثلاث فناجين امامها.. "ما هذا يا جي سان؟" ... "ليلى، الماتشا هو الشاي الاخضر الياباني" ... "جي، هل هو الشاي الأخضر الصيني" ... "كلا يا ليلى، يختلف الشاي الأخضر الياباني عن الشاي الأخضر الصيني" .... انضم إلى طاولتنا خلال هذه الدقيقة أحمد بثوبه الإماراتي وإيليشيا بالساري الهندي! ... لوهلة شعرت أنني في عالم آخر! ... كنت الوحيدة التي تلبس ملابس حديثه، التقطت ايليشيا عدة صور، وطلبت من أحد زملاء جي سان أن يلتقط صوراً لنا معا، بينما كانت جي سان قد بدأت بصب الشاي في الفناجين الخزفية! ...
"جي سان! .. " ... "تفضل يا أحمد، تفضلي يا ايليشيا، تفضلي يا ليلى" .. ارتشفنا الشاي الذي أحبه أحمد واستمتعت به إيليشيا، أما أنا فابتلعته وأنا أشعر أنني أبتلع حزمة أعشاب، فأغمضت عيني وأكملت الفنجان على مضض! .. ضحك الجميع،،، كانت الممرات بين الأقسام مليئة بالحياة! .. البالونات الملونة! .. الثياب الشعبية! .. والغريبة! .. والاستعراضات! ... هنا تذكرت أنني لم أصلي الظهر، وأخبرت إيليشيا أنني سأذهب لأصلي، فما كان من جي سان إلا أن حركت لوح ورقي يستخدمونه لتزيين قسمهم فصنعت لي مكاناً خاصاً للصلاة! ... نظر أحمد إلى جي سان وهو يضيق عينيه مستغرب، فنظرت إليه متسائلة! ... "لا تمانعون؟" ... "كلا يا أحمد! ليلى صديقتي ويعرفها أصدقائي، قد تختلف الديانات ولكننا نحترم بعضنا البعض!" ... "هذا جيد! .." ....
عندما انتهيت من الصلاة وجدت أحمد يقف وبجانبه إيليشيا، جي سان، راجو، وبعض الطلبة الذين أرادوا التقاط صور معهم! .. هنا التقطت لهم عدة صور أيضاً في هاتفي أيضاً ،، واتجهنا جميعاً إلى الجناح العربي! .. كنت التقط صوراً عشوائية، تمشي اليشيا بجانب احمد وهي تتحدث بصوت عالي وهو يضحك معها بشدة ولا يمانعان التقاط الصور مع اي شخص اخر، وتمشي معي جي سان بهدوء بينما كنت أنا التقط صور هنا وهناك بهاتفي، وبعض الصور الخفية لأحمد! .. التقطت صورة له من الخلف مع اليلشيا ،، وصور عده وهو يتصور مع الزوار ... كلما التقطت صورة كنت ابتسم وانا اشعر أني أسرق شيئا! ...
عند الجناح العربي وقفت بعيدا! .. لم أتوقع أن أرى كم الخليجيين الذي رأيته، عقدت حاجبي، بينما أكملت ايلشيا طريقها للقسم الاماراتي، اراها تتحدث مع احمد واصدقاءه، بجوارهم طلبة من قطر والسعودية .. ودول اخرى! ... كانت جي سان تقف بجانبي ... "هيا يا ليلى؟" ... "جي-سان! .. ربما يجب علي ان اذهب" ... "لماذا؟" ... "منذ أن دخلت الجامعة ابتعدت كل البعد عن العرب، أنتي تعرفين هذا!" .. "لن يعرف أحد أنك اماراتية فلم تخبري احد من قبل" .. "جي-سان، اشعر بتوتر" .. كانت ضربات قلبي تتسارع، شعرت بخجل شديد جداً لا أشعر به عادةً أمام الطلبة الأجانب، أحسست بحرارة تلهب اذنيّ، أغمضت عيني وتذكرت النقاش الحاد مع أخوتي في الامارات! عندما ترتفع أصواتهم! .. عندما يتهموني أنني مدلله ومتحررة لأنني سأدرس في أمريكا ...
"هل انتي بخير؟" ... أيقظني صوت خالد! وجدتني أمسك بذراع جي-سان وهي تسندني، فنظرت إليه قليلا حتى استوعب! ... "أنا بخير!" ... هنا جاءت إيليشيا وامسكت بذراعي، "ليلى انتي بخير؟" ... ثم أحمد "ماذا حصل؟؟؟؟" ... نظرت إليهم جميعا .. شعرت بدوار ... ثم ابتسمت ببلاهة ..! ... "أشعر بالجوع!" .... لم أكن أشعر بالجوع! ولكن هذا ما استطعت قوله! لم أجد أي اجابه اخرى في تلك اللحظة! ضحك الجميع إلا جي سان، التي وضعت يدها عليّ وكأنها تشعر بي .. هنا أخذ خالد على عاتقه مهمة اطعامي ما لذ وطاب من المأكولات الشعبية السعودية، والتقيت عدة طالبات سعوديات أيضاً، تناولت فنجانين من القهوة السعودية، وتذوقت عدة أنواع من الحلوى، نسيت نفسي معهم! بدأت بالضحك، كنت استمع لإحدى الطالبات تسأل صديقتها "من وين هذي؟" .. "مدري؟ يمكن من ايران؟" ... "يمكن انها هندية أو باكستانية مثل هذيك اللي هناك!" .. كنت أبتسم دون أن أرد عليهن.
التفت لأبحث عن جي سان، ايليشيا ...... وأحمد! ... الذي كان يجلس بعيدا وهو ينظر إلي بنظرة استياء ... ابتسمت له! فاقترب ... "سأريك القسم الاماراتي" ... كنت اعرف من نبره صوته انه سيقول شيئا اخر ... !! مشيت بجانبه ... فهمس لي:
"يعني وايد عيبتج اليلسه هناك؟" ..
"نعم؟" ...
"مب عادي ترمسين اماراتي بس يالسه مع خالد وايد عادي صح؟" ...
"اتكلم انجليزي ها اول شي ثاني شي انا ما قعدت مع خالد" ...
"لا والله!" ..
"اشووه فيك؟ يالسه عندهم مثل اي سكشن ثاني، شو المشكلة" ...
"شوفي انا ما يخصني فيج! ... بس خلج بعيده عن خالد عشان نفسج" ...
هنا ابتسمت انا .. يبدوا ان هناك شخصاً ما يشعر بالغيرة ... نظر الي احمد بتوتر ،،
"ليش تضحكين؟" ...
"انا ما ضحكت" ...
"امبلا ضحكتي!" ...
"بس ابتسم! حرام؟" ...
"طوفي جدامي" .....
"بطوف لكن لاحظ انك تتحكم في شي مايخصك فيه" ...
التفت احمد إليّ، نظر مباشرة إلى عينيّ! .. شعرت بالخجل ولكن لم تترك عينيّ عينيه لثواني معدودة! .. لم أكن أعرف ما المغزى من هذه النظرة الغريبة ... لم يتحدث ابتسم واكمل طريقه .. وبحضور احمد تجمع زملاءه واصدقاءه، يا الهي لا استطيع تحمل هذا الكم من الثياب البيضاء!! .. ولكن! عندما دخلت الى القسم الاماراتي، شعرت بقلبي يأسر! رائحة العود، والعطور، ودهن العود، عندما يلتقي الشباب يتبادلون التحية بالطريقة الاماراتية! "بالخشم"! .. استمع لأحاديثهم المتفرقة! "مرحبا الساع، يا ريااال، اقرررب، الله حيه، اقولك قرب هنيه، هاه نبدا؟" والكثير من الأحاديث الأخرى،،، تركني احمد وشعرت بيدين تطوقاني، كالعادة هي ايليشيا التي وضعت وجنتها بجانب وجنتي وهي تنظر اليهم، "ليلى، سأتزوج شاب اماراتي" .. التحقت بنا جي-سان ووقت بجانبي ،،، فسألت صديقتي الصغيرة "لماذا اماراتي يا اليشيا؟" ... "هكذ قررت، انظري لذلك الشاب! يبدوا جميلا جداً" ،،، هنا شعرت ايليشيا بصفعه على جبهتها ... "ليلى!!!!" .... "لو سمحتي هناك قسم كامل فيه نجوم بوليود وراجو! اتركي القسم الاماراتي لي" ... ضحكت ايليشيا بينما كانت جي سان تلتقط الصور وتقرأ اللوحات المعلقة! ...
هنا بدأ عرض "الرزفة واليولة الاماراتية"، ولم تكن عصا احمد "المحناية" لتيد كما قال! بل كانت لهذا العرض، الذي اجبرت ايليشيا ان تصوره بالفيديو والتقطت انا عده صور بهاتفي! .. كان العرض رائع جدا، دخل عدة شباب من جنسيات مختلفة معهم، كان الجميع يضحك ويمرح! ويشعر بالسعادة، حتى انا! كانت هذه الاجواء تشعرني بالسعادة العارمة، كنت أحتاج لأن أشعر بجو مثل هذا! .. يبدوا لي انني كنت انكب فقط على دراستي، وتركت فعاليات كثيرة فالجامعة لم اشارك بها! ..
قاربت الساعة على الرابعة، فهمست لايليشيا وجي سان انني سأذهب إلى لوحي، سأقوم باقتلاع الاوراق والصور القديمة وذلك لانني سأبدأ باعداد لوح جديد قبل ان اسافر، انسحبت بهدوء وتمنيت لهم يوما سعيدا، ذهبت دون ان اسلم على احمد، لم استطع ان الوح له ايضاً، كان منشغلا مع اصدقائه خرجت مباشرة من المسرح متجهة لماكينة القهوة ... وعندما هممت باختيار القهوة سمعت صوته "كابتشينو اكسترا شوغر لو سمحتي" .. لم التفت اليه! فقط نفذت .. ثم ابتسمت وانا ارفع رأسي لأراه، ينشغل الناس بالداخل، ويقف امامي احمد بثوب اماراتي واستطيع ان اشم رائحة عطره، دهن العود، والعود ايضاً ... تناول هو كأس الكابتشينو بنفسه واخترت لنفسي كوبا اخر من الكابتشينو ... ابتسمت بهدوء ... ينبض قلبي بقوة، يتغير تنفسي! واحاول ان اكون طبيعية!
- وين سرتي؟
- خلاص احمد احين الساعة اربع!
- انزين شو عايلنج؟ بيفوتج!
- مممم بسير اعدل البورد مالي
- انزين سويه باجر
- ما ينفع اليوم لازم اجلع الاوراق والصور وباجر بعد الامتحان ببدا اعلق اشياء ثانيه
- تعالي اي بورد؟
- قريب من الكافتيريا ..
- ايوه! .. هذا لج؟
- هيه ..
- خالد هف منه كوبون وعطاني اياه ..
- اها! ... وجيه وصلت هناك! ..
- هيه .. عطاني اياه اونه عشان اشعر بالسعادة! ..
- ليش شو كان فيك؟ ..
- ماشي ماشي ... اساعدج؟
- هاه؟ ... لا لا ما يحتاي!
- عادي والله! ..
- لا لا والله ما يحتاي البورد مب من كبره ..
لم يرد علي واخذ يمشي وكنت امشي خلفه! .. لم اشعر ببرودة الجو بوجود احمد! لاحظت هذا الشيء عندما شعرت بحرارة الكابتشينو تحرق اصابع يدي التي كانت بالعادة تتجمد من البرودة فأهرع لتدفأتها بكوب القهوة! ... كنا نتحدث ونحن بطريقنا الى المبنى المجاور ..
- شو فيها ربيعتج تكلمني من ورا خاطرها؟
- منوه؟
- هاي اليابانية! ..
- ما تحبك!
- هاه؟ ليش!!!!!
- شدراني بك (كنت ابتسم وانا اعرف انه لا يرى ابتسامتي وانا خلفه)، وانته شو ياك تهزبني ع خالد!
- ..... ما هزبت
- احتديت علي ...
- خالد ما ياخذ شي جد فحياته، بيشوفج وبيقول بيتعرف عليج ..
- انا ما كنت قاعده معاه! يلست مع البنات ..
- وهو عدالكم .. ماعرف يوقف عندج ولا عند الهندية!
- ههههه ... فديتها اليشيا مينونه!
هنا وصلنا الى اللوح، بدأت بالتقاط الاوراق، كنت اشعر بالسعادة لان احمد يقف هنا معي، وأشعر تأنيب الضمير في نفس الوقت! .. هل يجوز ان يتحدث الي؟ هل يجوز ان نشرب القهوة معاً؟ ... او ان نمشي حتى المبنى الثاني معاً؟ ... كان يقتلع الاوراق برفق ثم يناولني هذه الاوراق ..
- ليش تبين تغيرين احين؟
- ابا الحق قبل ما اسافر ..
- وين؟
- برد الامارات ،،، عشان الاجازه ...
- متى؟
- اول الاسبوع بخلص امتحان والطياره فالليل ..
- انا بعد بسافر الاسبوع الياي .. لازم ارد عشان الدوام ...
- كم اجازتك؟ ..
- برد الدوام اسبوع واسبوع ثاني قبل السفر اجازه، وانتي؟
- شهر .. ان شاء الله ..
- مممم
- مممم ... شكرا لانك ساعدتني ... انا بتوكل احين ...
- اوكيه!!! بشوفج عقب ان شاء الله ...
لوحت له وانا اذهب في طريقي .. لم أكن اعرف ما الذي يقصده، هل ينوي ان يراني مره اخرى؟ ... ام انه يسألني .. ام ماذا؟ ... خرجت من باب الجامعه واتجهت الى حديقة واشنطون التي تقع مباشرة امام باب الجامعة، بدأت أشعر بالبروده مرة أخرى، لففت شالي مرتين حول عنقي ورفعته قليلاً لأغطي انفي، وضعت سماعات "الايبود" في اذني، وتجولت في الحديقة وحدي ... كنت مبتسمة، سعيدة، لم اشعر برغبه للعودة مباشرة الى المنزل، كنت افكر في نفسي، في احمد، في دراستي وتفاصيل هذا اليوم! ... لقد شعرت بالسعادة! ... وهنا بين الطلبة الذين يدرسون في الحديقة، واناس يمارسون الرياضة، شعرت بلمسات ناعمة وباردة على وجنتيّ... رفعت يدي في الهواء .... انها تثلج! ... هل سيكون اليوم افضل مما هو عليه الان؟

























