Tuesday, February 5, 2013

مقهى السعادة ،،، (٧) ،،،


رغم أنني طلبت من إيليشيا عدم القدوم، إلا أن إصرارها بالتواجد معي كان ما أريده حقاً، في داخلي أشعر بنوع من الحماس لوجود أحمد هنا، ربما لم أتحدث إليه كثيرا، وربما لم ألتق به كثيراً، والأهم أنني لاأبادر بشيء وأخفي عنه هويتي، قد يكون ذلك لقناعتي التامة أن الكثير من الناس في مجتمعنا الإماراتي يرفض فكرة دراسة الفتاة في الخارج، ومنهم عائلتي! .. لا أحب أن أتذكر ردة فعل إخوتي من أبي عندما علموا أنني سأكمل دراستي في الخارج، ولا أحب أن أتذكر ذلك الألم الذي سببته لوالدي، ولكن لم تمانع والدتي ولا والدي أيضاً من دراستي في الولايات المتحدة الأمريكية، فهم يثقون بقدرتي وتميزي الدائم في المدرسة كما أن تحصيلي الدراسي هنا لا يقل عن الممتاز، قد يعتبرني الكثير "متحررة" لتواجدي هنا لوحدي، وقد يظنون بي السوء ولكن أنا أعرف ما الذي أفعله، وسأثبت لهم أن أفكارهم هذه غير صحيحة! ... 

قطع تفكيري صوت إيليشيا المميز والمرتفع عندما دخلت وهي تقول (صباح الخير)، ثم توجهت إلى جدتي وحنت جسمها بطريقة الأفلام الهندية لتلمس طرف قدمها، دهشت جدتي لوهله ثم ما لبثت أن ضحكت بعد أن أكملت إيليشيا ذلك الفصل التمثيلي وهي تمازح جدتي بلغة هندية (كي سا هي نانا-جي؟) وتعني (كيف حالك يا جدتي)،  لم يكن رد جدتي سوى الضحك وأخبرتها أنها لا تفهم لغتها، ثم أخبرتها أنني موجودة هنا (صديقتك تجلس في مكانها المعتاد).

هنا رمقتني إيلشيا بنظرة خاطفة فقط لا غير بتلك الابتسامة التي تحتوي على خمسين كيلو جراماً من الحماس الذي كنت أنتظر أن يشاركني به أحد، نظرت إليها بابتسامة مفعمة "بالحماس" وبعد تلك النظرة الخاطفة كانت هناك النظرة (التفقدية) حيث كانت تحرك عينيها بحثاً عن أحمد، فلم تجده.

التفتت إليّ مرة أخرى بنظرة تساؤلية وكأنها تقول (أين هو؟)، رغم أن أحمد كان يجلس أمام إيليشيا ولكنها لم تره لأنها كانت تقف خلفه، فلم يكن مني إلاً أن زممت شفتاي وأشرت لها بعينيّ تجاهه وأنا أرفع حاجبيّ (أحاول أن أخبرها بمكانه دون لفت الأنظار)، فما كان منها إلا أن أشارت على أحمد بإصبعها وهي تنظر إلي.

التفت صديق أحمد إليّ فجأة. يا الهي! لقد انتبه صديقه أن إيليشيا الغبية تؤشر على أحمد وهي تنظر إليّ في ذات الوقت، فما كان من أحمد إلا أن نظر باتجاهي ثم التفت وراءه ليجد إيليشيا تقف خلفه. أما أنا فتظاهرت بطريقة فاشلة جداً أنني لم أكن أنظر تجاههم.

عدت بنظري إليهم سريعا، فلا فائدة الآن من الاختباء، أو بالأحرى أنا أنتظر صديقتي وأنظر إليها هي "فقط" أو هكذا أقنعت نفسي. وقف أحمد احتراماً لإيليشيا، والتي مدت يدها لتصافحه، هنا شعرت أن الساعة توقفت، عقدت حواجبي باستنكار، وكنت احرك ناظري بين كف أحمد وكف إيليشيا وأنا أحدث نفسي (لا يا أحمد! .. لا تفعل أرجوك! .. لا .. تفع...ل!) ..........

هنا وعندما التقت يد أحمد بيد إيليشيا لم أكن أسمع حديثهم رغم صوت إيليشيا المرتفع، وجدتني أضع يدي اليسرى على صدري، ويدي اليمنى توقفت عن التحرك فوق "الكيبورد"..  تسارع تنفسي حتى أنني كنت استمع لصوت استنشاقي الهواء بغضب، عشرون فكره في الثانية! هذا كان معدل التفكير الذي يولّده عقلي الآن. ثم جاءت ايلشيا ورددت سلامها المفعم بحماس ببرود شديد، 

إيليشيا: ههههه يا إلهي أحمد هنا ... 
أجبتها كمكعب ثلج: أجل ...
إيليشيا (وهي تلتفت وتؤشر لإيمي بأن تحضر): يعجبني هذا الرجل، يجب أن نعرف معلومات أكثر عنه لنطمئن على مستقبلكِ معه.

رغم محاولتها المزح معي، إلا أنني عقدت حاجبيّ أكثر، فأنا لست في حالة الحماس الآن .. ولكن لم تعر إيليشيا اهتماماً كثيراً "لحالتي النفسية"، فتحدثت مع إيمي بعد إنهاء جملتها، أما أنا فكنت أنظر إلى أحمد بنظرة حامقة، وربما هذه الطاقة السلبية كانت هي السبب التي جعلت أحمد يلتفت إلىّ.

وعندما التقت عيني بعينه، نظر إليَ نظرة وكأنه يسألني (هل هناك شيء؟) ... فلم يكن مني إلاً أن أغلقت شاشة "الابتوب" بقوة ثم نظرت إلى الناس في الخارج. وهنا سألتني إليشيا (ما بكِ؟) ... (لا شيء) .. (أخبريني ما بكِ؟ لماذا هذا المزاج السيء فجأة؟) .. (قلت لكِ لا شيء) .. (هل أخبرك ما قاله لي أحمد؟) ... عندما سمعت اسمه عقدت حاجبي أكثر وقلت بشدة (لا) .. (هيا يا ليلى! ... أخبريني) .. التفت نحوها وقلت: (إيليشيا، هل رأيتني أسلم على أحد الرجال مسبقاً؟) .. هزت صديقتي رأسها بالنفي وهي تقول (أنا أعرف أن هذا لا يجوز في تعاليم دينكم الإسلامي، هكذا بعض العائلات الهندية الملتزمة في الهند أيضاً .. ولكن هناك الكثير من المسلمين  ممن لا يلتزمون بذلك)

تبادلنا النظرات بصمت لعدة ثواني .. حتى بدأت إليشيا الحديث: (أنتي غاضبة لأنني صافحت أحمد؟) .. لم أرد عليها وكان هذا كافياً لتعرف إيليشيا أنني فعلاً غاضبة بسبب مصافحته لها! .. لماذا يصافح إيليشيا؟ .. هل هو شاب يصادق الفتيات؟ هل هو من النوع "المتحرر"؟ أنا لا أحب أن ألتقي بشخص مثل أحمد، لا يمانع أن يصافح الفتيات! .. ويعلم الله وحده ما الذي لا يمانعه أيضاً؟ .. استغفر الله .. إن بعض الظن إثم، ولكن مهما كان، لم يكن عليه أن يصافحها .. هنا ضربتني إيليشيا على رأسي وهي تقول "استيقظي" ..

نظرت إليها كالقطة الحانقة، واكملت (لا طالما تحدثتي عن مجتمعكم وكيف أنهم يسيؤون الظن، وأنك عانيتي جداً من أحكامهم عليكِ، والآن أنتي غاضبة لأنه صافحني؟) ... فأجبت بثقة: (أنا لست غاضبة عليك ولكن لم يكن عليه هن أن يصافحكِ!) .. ابتسمت صديقتي الصغيرة وقالت: (إنك تغارين!) .. زاد غضبي وقلت: (ليست غيرة، وإنما ما فعله غير صحيح!) .. رفعت إيليشيا كتفيها بلا مبالاة وأخذت تشرب الشاي الذي كانت رائحة النعناع تفوح منه وهي تقول: (أنتي دائماً تبالغين فربما خجل عندما فاجأته بمد يدي إليه) ... قبل أن أرد عليها .. رن هاتفي ... إنها والدتي! .. وعادةً هي لا تتحدث معي في هذا الوقت المتأخر في الإمارات...


ولأن إيليشيا هنا تحدثت إلى والدتي بلغة إنجليزية احتراماً لها (أهلا أمي! .. كم أنا سعيدة باتصالك ... أنا بخير الحمدلله، أتناول فطوري عند جدتي، نعم نعم في مقهى السعادة، ماذا ؟؟ ممم ... لحظة) .. أشرت لإيليشيا أنني سأعود وخرجت لأتحدث بجانب المقهى.

كنت أتبادل الحديث مع أمي وأنا أمشي ذهاباً وإياباً دون أن أركز في ما أشاهده، فلم أكن أركز في الكتب التي توجد على واجهة المكتبة المجاورة، ولم أكن أركز في وجوه الناس، كنت أتحدث وكل ما أفكر فيه هو ما تقوله لي والدتي، ولم أكن أتحدث هنا سوى بلهجة إماراتية أشتاق لها جداً ،،،

(أمايه! .. مابا أرد لبلاد .. أنزين هم مالهم خص فيني! .. انتي أمي وهو أبوي! هم أخواني من أبوي مالهم خص فيني .. مابا أرررررد ... دخيلج أمايه أقنعي أبويه مره ثانيه! ... أبا أتم في أمريكا، والله ما بطلع فراس السنة من الشقة ولا فالكرسمس لكن بليييييز خلوني هنيه! ...... لا تسأليني ليش، مافيني عليهم نسيتي آخر مرة؟ كلوا قلبي! .... أماااااية دخيلج! ليش إنزين؟ .. مابا أحضر عرس فطامي ...... حتى أنا اشتقت لكم تعالوا انتو عندي بتستانسون! .... يعني مافي أمل؟ .... أنا مابا أسوي لابويه مشاكل مع "عياله" ... بس تراني يوم أرد البلاد ما يخصهم فيني! ... أنا قلت لج! .... ان شاء الله ... ان شاء الله ... حاضر ... هذا الاسبوع مشاريع واللي بعده امتحانات وبرد ان شاء الله جيه زين؟ ... وإنتي بحفظه) .... 

هنا أنهيت مكالمتي مع والدتي وقد نطقت آخر الجمل معها بصعوبة، وذلك لاختناقي بين دموع محبوسة وغصة في حلقي، ابتلعت هذه الغصة بمرارة، ولم أستطع أن أمنع دموعي من السقوط، استندت إلى عمود الإنارة لوهلة استغفرت ربي كثيراً، ثم مسحت دموعي واجبرت عضلات وجهي لأن تتقوس وتبتسم، أخذت نفساً عميقاً محاولة مني أن أهدئ من ضربات قلبي حتى استقرت على ايقاع متناسق من الهدوء الكاذب ...

دخلت إلى المقهى وجلست أمام إيليشيا وأنا أبتسم .. فسألتني (هل أنتي غاضبة لأنني صافحت أحمد؟) .. فأجبت (كلا) .. فسألت (كيف حال والدتك؟) ... (إنها بخير، رفض والدي أن يسمح لي بقضاء العطلة هنا .... أين أحمد؟) ... (لقد رحل منذ قليل، ولكنه سأل عنكِ) أجابتني بابتسامة شقية جداً ...

حاولت تمثيل الدور  "الحزين" بعد مكالمة والدتي وهو فعلا ما كنت أشعر به، ولكن كنت أود إخفاء حماسي بما سمعته الآن ولم أنجح، فابتسمت ببلاهه (حقاً؟ ... ماذا قال؟) .... فأجابت: (سألني لماذا أنتي غاضبة وأخبرته أنك غاضبة لأنه صافحني، فضحك وطلب مني أن ألقي إليك التحية) .... تباً لكِ يا إيليشياً وهل تأتي المشاكل تباعاً إلا بوجودك؟ (لماذا أخبرته!! لم يكن ينقصني إلا أنتي يا إيليشيا!!!!) ..... 

3 comments:

soma said...

مسآالخيـر ،،

أعجبني اسلوبج في السرد.. بسيط و سلس منذ أن قرأت بالصدفة في جريدة الرؤية "مقهى السعادة6 " فقررت متابعتك إلكترونياً

موفقة (=

Anonymous said...

صباح الخير الغالية ..
الأسلوب وااايد حلو و القصة شيقة متابعة لك بشوق ..
لللا تتاخرين علينا
بالتوفيق

عبدالله الحبيب said...

هههههههه
اولا يعجبني اسلوب ومشاغبة اليشيا
ثاني .. انا من المعجبين للهجة الاماراتية ) امايه ❤❤(